الشيخ محمد رشيد رضا
10
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ثم قال جل شأنه وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً أي وان القبلة أو قصتها في نسخها والتحول عنها لكبيرة الشأن شديدة الوقع فيما كان من أمر الناس - أو ما كانت إلا كبيرة يشق التحول عنها إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ أي هداهم إلى المعرفة به والعلم بحكم شرعه ، فعقلوا ان التعبد بها إنما يكون بطاعة اللّه بها لا بسر في ذاتها أو مكانها ، وان حكمتها اجتماع الأمة عليها الذي هو من أسباب اتحادهم وجمع كلمتهم وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أقول : أي وما كان من شأن اللّه في حكمته ورحمته ان يضيع إيمانكم الباعث لكم على اتباع الرسول في الصلاة والقبلة ، فلو كان نسخ القبلة مما يضيع الايمان بنقضه أو نقصه أو فوت ثواب ما كان قبله لما نسخها ، أكثر المفسرين ومنهم الجلال على أن المراد بالايمان هنا الصلاة إذ ورد ان بعض المؤمنين أحبوا أن يعرفوا حال صلاتهم قبل التحويل أو صلاة من مات ولم يصل إلى الكعبة ، فأراد اللّه ان يبين لهم انه يتقبل من الصلاة ما كان أثر الايمان الخالص ، أي متى كنتم تصلون إيمانا واحتسابا لا رياء ولا سمعة ، فصلاتكم مقبولة لأنها أثر الايمان الراسخ في القلب ، المصلح للنفس ، فتسمية الصلاة على هذا إيمانا ليس لأنها أعظم أركان الدين بل للإشارة إلى أن مزيتها في منشئها الباعث عليها من الايمان والاخلاص ، ولذلك يقرن الايمان دائما بذكر الصلاة والزكاة : فالصلاة آية الايمان القلبية الخفية لأنها لا تكون آية الا باخلاص القلب ، والزكاة هي الدليل الحسي الظاهر عليه . وقد يغش الجاهل نفسه بالصلاة فيتوهم انه أقامها كما أمر اللّه إذا أدى هذه الاعمال الظاهرة التي هي صورتها ، وان كانت هذه الصورة خالية من روح الاخلاص والتوجه القلبي إلى اللّه تعالى ، ولكن الزكاة آية حسية على الايمان ، لا يقدر ان يغش نفسه بها إنسان ، فليحاسب مؤمن باللّه وكتابه نفسه وقال الأستاذ الامام : ان سياق الآية بل الآيات يدل على أن الايمان هنا مستعمل في معناه فإنه لما بين أمر الفتنة في تحويل القبلة وبين ان من الناس من ينقلب إلى الكفر ويترك الايمان ، ومنهم من يثبت على ايمانه عالما ان الاعتماد في مثل مسئلة القبلة على اتباع الرسول ، لان الجهات في نفسها متساوية لا فضل لجهة منها على جهة ،